الوسيط السمعي ـبصري كعامل سرديّ

بالعودة الى أولى سنوات السينما، نرى أن تأريخ هذه الفترة انشغل بمعظمه في البحث عن محطّات تطوير “اللغة السينمائية”.

وبغضّ النظر عن إشكاليات التأريخ وما يسمّى “تطوّر” أو “لغة سينمائية”، نلاحظ أنّ معظم المؤرّخين طرحوا معياراً واضحاً في تأريخهم: إكتشاف قدرة الوسيط على التأليف السردي، إذ تهيمن على كتب “السينما البدائية” تواريخ تجارب صانعي الأفلام في تطوير هذه القدرة.

وتدريجياً، نرى أن شكل التأليف السردي أصبح موظّفاً بشكل أساسي لسرد القصص. إلى أن حَصَر التأليف فالتوليف السردي للقصص (Storytelling) ، كل إمكانيات السينما بالنطق بعوالم الإنسان (الخارجية والداخلية) من خلال الصورة وحركة الزمان والمكان.

يطرح المؤرّخ ومنظّر السينما الأميركي توم غانينغ (Tom Gunning)، في دراسته للسنوات العشر الأولى للسينما (1896-1906)، شكلاً مغايراً لعلاقة الأفلام مع الجمهور يختلف عن الذي نراه في “سينما سرد القصص”، تحت عنوان/لقب “سينما الجذب”، منطلقاً من نظريات السينمائي السوڤياتي سيرغي أيزنشتاين عن “التوليف – الجذب”.

يقترح غانينغ أن ما يجمع أعمال العديد من سينمائيي تلك الحقبة، من التسجيليّة (أعمال الأخوين لوميار) الى المتخيّلة (اعمال جورج ميلياز المنسوجة من الخيال Fiction) – سردية كانت أو متجنّبة للسرد- ليس السرد القصصي، بل اعتماد شتّى انواع التقنيات لجذب المشاهدين والاحتفاظ بانتباههم. فكلّ من هذه الأعمال يخلق منظومة إستعراضية، هدفها إظهار قدرات السينما على تمثيل الواقع و/أو خلق أوهامٍ بصريّة تلفت إنتباه المشاهدين. هي منظومة لا تروي حدثاً بل تُظهره مظهرةً قدرة السينما على نقله، إن كان مشهداً واقعيّاً إكزوتيكيّاً (لوميار) أو مشهداً متخيّلاً (ميلياز).

لا يخفى أن ما ساعد على إنشاء هذه العلاقة هو اهتمام الجمهور في الفترة الاولى من الانتاج السينمائي بهذا الإختراع الجديد – السينماتوغراف – والذهول أمام اكتشاف قدرة هذه الآلة على نقل حركة الحياة صورةً وإيقاعاً.

وفي هذا الإطار، يرى غانينغ أن سمة هذه الأفلام هي استعرائية الوسيط عندما كشف نفسه وقدراته أمام الجمهور، في وقت تتجنب سينما سرد القصص هذا الاستعراء وتستبدله بعلاقة المتلصّص على المشهد-الحدث.

ويتابع غانينغ أن هذه السمات لم تختفِ بعد سيطرة سينما السرد القصصي، بل “انتقلت الى الطبقة السفلية من السرد” (It went underground)، لكي تخلق لاحقاً اهتماماً عند السينمائيين الطليعيين في العشرينات، والتجريبيين في سينما الخمسينات والستينات الهامشيّة (underground cinema).

ويشير الى انها تعود لتظهر على سطح السرد من حين الى آخر في السينما التقليدية، متناولاً مثال الممثّل/الشخصية حين ينظر إلى الكاميرا مخاطباً الجمهور، أو مشاهد الرقص في السينما الاستعراضية.

نقترح في هذه الحلقة مجموعة من الافلام التي لا تكتفي باستعمال الوسيط السمعي- البصري أداةً للسرد، بل تجعله إما موضوعاً أو نواةً للحبكة القصصية، كاستعمال الشريط الصوتي في فيلميّ “الحوار” لفرنسيس فورد كوبولا و”بيروت اللقاء” لبرهان علوية.

نرى في هذه الأفلام استعادة لبعض سماة “سينما الجذب”، إذ تَكشف قدرات الوسيط السينمائي على خلق توليف سمعي- بصري، يعيد تمثيل الواقع ومغايرته أحياناً، مكرّسةً صفة الخالق عند السينمائي. وهذا أمر كان ومازال له أبعاده السياسية والفلسفية المنشودة عند معظم سينمائيي هذه الحلقة (دزيغا فيرتوف، جان لوك غودار، برهان علويّة، فرنسيس فورد كوبولا، ستان بريكيدج..).

ويتشابه هؤلاء مع سينمائيي “سينما الجذب” من خلال ثقتهم باهتمام الجمهور بأمور خارجة عن السرد القصصي التقليدي، كاهتمام المشاهد/ة بمعرفة القدرات التقنية للسينما، والذهول أمام الاحتمالات التشكيلية في السرد والصورة/الصوت المطروحة عبر هذه التقنيات. وهذا ما يختلف عن انغماس الجمهور المعهود في متابعة القصة.

ويمكن القول أن هؤلاء السينمائيين يطرحون توجهات ثقافية وفلسفية وسياسية، يختبرون فيها علاقة جديدة مع المشاهد، مترقّبين اهتمام الجمهور ودهشته.

فمنهم من يترقّب وعي الجمهور للقدرات السياسية للسينما (فيرتوف، غودار)، ومنهم من يطرح تأثيرها على الجمهور (كروننبرغ، كوبولا)، في حين يذهب المخرج برهان علوية في فيلم”بيروت اللقاء” الى “فضح” السينما، في محاولة لفضح مشاعرنا.

رامي الصبّاغ، أيّار\مايو ٢٠١٦

Advertisements
This entry was posted in Écrits كتابات, Cinema. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s