“بّرة في الشارع”: “إعادة” التمثيل لغير أهله وانتزاع “الِفلم” من قيوده

بقلم: محمد عبداالله

منذ عقود، هجر المخرج البريطاني بيتر واتكنز ما أطلق عليه لاحقًا تسميه “أزمة الإعلام،” ومعه تخلّى عن ذلك المسعى الإعلامي (النبيل)، والذي يحدوه لتوثيق موضوعي أو لسرد محايد أو لوقوف على حقيقة أو لمحاربة إعلام (آخر) كاذب، وهو النهج الذي أفضى به إلى إنتاج فِلمه الأشهر “الكميونة” (۲۰۰۰).

لقد كان مشروعه حينها يتجاوز الِفلم، بل ويجوز اعتباره موقفًا سياسيًا بامتياز، موقفًا رافضًا لمنظومة إعلامية تقوم على تراتبية هرمية، وسرد يدّعي الموضوعية، وصناعة قوامها استغلال العاملين فيها. وهكذا، أتاح واتكنز للمشاركين في الِفلم، من الطاقم الفني والتقني والمؤدّين وسواهم، أن ينخرطوا في سيرورة صوغ هيكل الِفلم ذاته، بل وباتت الكلمة لكل شخصية من شخوص الِفلم، في سرد قصتها وتشكيل مادتها. وهكذا أيضًا، سلّم واتكنز سلاحه الوحيد في المقاومة، وهو السرد، لرفاقه، فائتمنهم للزود عن خندقهم، وإن أبقى على بعض مما له.

ربما، ومن هذا المدخل، لن يكون من المستبعَد أن تأتي ياسمينة متولي وفيليب رزق، مخرجا فِلم “بّرة في الشارع” (أفلام س، ۷۱د، ۲۰۱٥) على ذكر “الكميونة” باعتباره عملاً مؤثرًا، ومادة نهلا منها منذ المراحل الأولى لتكوين عملهما، والذي تعود مراحله التحضيرية إلى ۲۰۱۱، عام الطموحات البعيدة. وليس من المستغرَب أيضًا أن يغدو هذا النهج التعاوني، بمعناه التنظيمي، فلسفة الِفلم، والسبيل إلى تحقّقه. ولكن المقاومة، بلا ريب، فعل لا يخلو من العنف، بل إن العنف لمتأصّل في فهمنا لتحقُّق المقاومة، ومكوّن أساس من مكوّنات صورتها المنعكسة في أذهاننا، ولا سيما في الذهن الغربي (ربما منذ حادثة ميونخ). إن هذا العنف لا ينكره واتكنز نفسه، حينما يحدّثنا مثلاً (عبر موقعه الإلكتروني الطريف والخطابي في آن معًا) عن التوتر الحاصل ما بين المخرج والمؤدين، ولا سيما لدى تصوير المشاهد الافتتاحية المطوّلة، بل وبين الممثلين وبعضهم البعض (مثلاً بين مذيعي التلفاز والمرابطين على المتاريس، إذ يطرح هؤلاء سؤالاً ثم ينسحبون، بينما يحتدم النقاش بين المقاتلين). وربما يجوز لنا أن نتّخذ من هذا العنف، المتأصّل أيضًا في “بّرة في الشارع” مدخلاً لفهم أبعاد هذا العمل ونواياه، أولاً من ناحية سعيه لتمثيل وضعًا اجتماعيًا، بما يحمله أي فعل تمثيل من عنف، وتماهى صانعيّ الِفلم مع هذا الوضع إلى درجة ما، بحكم انتقادهما لأوضاع العمل في السينما والإعلام عمومًا، وكذلك من ناحية التوتر الحاصل من جراء وقوع الِفلم ما بين “منح” ملكات السرد، و”انتزاع” مساحة التعبير.

مشهد: يعيد اللا­مؤدون تمثيل مشهد التوقيف والحجز لدى المخفر. هذه المرة لا يضحكون ولا يكسرون حاجز الإيهام. إنه المشهد الوحيد الذي اختاروا أن يعيدوه من ضمن جميع ما أعادوا تمثيله من روايات. وكأنما ثمة مُتعَتَين، الأولى متعة إتقان الأدوار والمحاكاة التمثيلية، والأخرى متعة تلبّس دور الجلاد.

وبينما أرغب هنا عن السعي للوقوف على ما يجعل الفن فنًّا، فإنني أعتقد أنه من المقبول القول إن الفن­ شأنه في ذلك شأن فعل المقاومة­ ليس مرهونًا بسياق مؤسساتي، وإنما تعيّنه نيّة صاحبه، وتثبته كيفية استقبال فعل المقاومة (أو الإبداع) ذاته، لا أكثر. وهكذا، يصير من جسيم الخطأ أن يتعاطى المرء مع “برّة في الشارع” باعتباره صنفًا من أصناف جنس السينما الوثائقية (شارك الِفلم ضمن قسم السينما الوثائقية في مهرجان أيام قرطاج الدولي،) حتى وإن جاز الحديث عن الهجين من هذه السينما أو التجريبي منها. ربما كان لتجربة صانعي الِفلم، ولما هما مهمومين به فيما يخص النشاط العمالي وأحوال العمال في ظل صناعة تشهد خصخصة لا تتوقف، فضلاً في الزج بهم في هذه المغامرة، والتي تلفظ بهم من قارب السرد التوثيقي “الموضوعي،” إلى جوف ما يجوز أن نصفه باللاتراتبية السردية، أو السرد الجمعي، انطلاقًا من إعداد الِفلم، ومرورًا بتصويره، ثم تشكّله خلال مرحله التوليف. لقد قام المخرجان بدعوة عشرة من عمال المصانع، شاركوا في ورشة مسرحية، قاموا من خلالها بإعادة تمثيل سلسلة من الوقائع والأحداث التي شهدوها إبان عملهم في مصانع حلوان، واستحداث أخرى من نسج الخيال.

مشهد: شريط مصوّر بكاميرا هاتف متواضع، صورته مُبَكسَلة، يستعرض حامله أرجاء مصنع مهدّم مهجور، من الداخل، بينما يُشهِد جمهوره على ما أصابه من خواء.

إن المدقّق في نَبرة صاحب شريط الڤيديو، وفي خياراته اللغوية والجمالية والتصويرية، ليجد في لغته صنعة، تحاكي صنعة التقارير الإخبارية، وتكلّف يشي بهيمنة ذلك اللون من السرد الإعلامي على وعي كل متابع لها. إنها لغة الراوي والمبلِّغ، لغة من يشهدنا، نحن المتفرجين، على واقع يسجّله، وهو يزج بنا في وضع المسؤول، بحكم علمه بأمر كان يجهله. إنه خطاب المنبر، وشأنه شأن المنبر، لا يخلو خطاب المعلّق من بعض الدراما، فيعيد بدوره تمثيل صبيحة يوم ما، فيقرؤ هذا العامل زميله التحية، ويجيبه ذلك. إن وضع هذا المقطع في مستهل الِفلم ليس محض مصادفة، بل هو إحالة نابهة لنمط إعلامي سردي هجره صانعا الِفلم، فيستخدمان مقطعًا يحتوي في داخله على نقده (لياسمينة وفيِليب تجربة مع تعاونية “مصّرين”، أنتجوا من خلالها عددًا من شرائط الڤيديو ذات الطابع الوثائقي الإخباري، ضمن ما اصطلح على تسميته بـ”صحافة المواطن”.) ومنذ هذه اللحظة، لا يتركان لنا مجالاً للّبس: فنحن هنا أمام عمل ذي بنية فنية بامتياز، عمل يعي صانعه بوجوده وراء عدسه الكاميرا، فلا يستحي من تدخله السافر في الحدث، ولا يتنكر لدوره التحريري في سرد مجرياته. وهكذا، فحينما يوكل المخرجان بعضًا مما لهما إلى فريق من اللا­ممثلين، بغرض التخلّص من بعض من تراتبية صناعة الِفلم التقليدي، فإنهما أيضًا يبقيان على بعض من المُسكة، تبقي بدورها العمل في مجال الفرداني (أي اللاموضوعي،) وهو المجال الذي يبسط الفن سلطانه عليه.

التتابع الأول: مقاطع تستعرض بلاطات أرضية الموقع الذي شهد الورشات والتصوير، ودعامات السقف الحديدية، ومجموعة من الرجال يخطّون مخطط مصنع على الأرض بالدهان، ويتباحثون تقسيم حجراته.

إن استناد جهد ما، أو “إنتاج” إن شئنا اليسر، إلى منهجية البحث الفني، وهو تبويب ينوء بميراث طويل، يعبر فنون المسرح والسينما والشعر والآداب والرسم، ويتصل اتصالاً وثيقًا بتاريخ حركات التحرر، بكافة صوره، في القرن العشرين، لِيزُج بهذا الجهد/ الإنتاج في ازدواجية مثيرة بحق. فمن ناحية، يدّعي وقوعه ضمن إطار نظري (براديغم) عريض وخطاب عام، يشترك فيه مع آخرين، ويجوز إعادة إنتاج حقائقه، سواء على نحو علمي أو قانوني أو غير ذلك، شانه في ذلك شأن أي مجال بحثي. ومن ناحية أخرى، فهو يصرّ على تمسّكه بفردانيته، وبأن ما يصوغه من هياكل وأطر، وما يطرحه من خطابات لهي بحق متفردة، تخضع لمنطق ومرجعية نابعين منها هي ذاتها، وهو ما ذهبت إليه الفنانة والمخرجة والكاتبة الألمانية هيتو شتيريل في مقال لها بعنوان “جماليات المقاومة؟ البحث الفني مجالاً وصراعًا.”

أود هنا أن أدفع برأي، يغدو بموجبه “برّه في الشارع” مثالاً لجنس فني مجلوب أصلاً من عالم المسرح، وإلى داخل العمل السينمائي، وأعني بذلك مسرح ما بعد الدراما. يختلف السرد هنا تمامًا عن السرد الملحمي (البريختي مثلاً) في أنه يعتمد على التوليف والتجميع، بدلاً من أن يعتمد على حبكة خطّية، وكذلك في التحوّل الجوهري الذي طرأ على وظيفة المؤدي، فتحولّت، أي وظيفته، من المحاكاة والتمظهر، إلى الكينونة والتدخّل المادي في نسيج العمل، ولن نذهب هنا إلى ما بينهما من مشتركات، ولا سيما موقف كل منهما من العمل السياسي. إن ما نحسبه قصّة طرد عامل وانتفاضة زملائه، ما هو في الحقيقة إلا توليف سردي وقع خلال مرحلة التوليف السينمائي، لعدد من القصص التي أعاد اللا­مؤدون تمثيلها خلال الورشات، ومن ثم نُسِجت في قصة متماسكة.

تذهب ياسمينة متولّي، شأن غودار من قبلها، إلى أنه “من غير الممكن أن نصنع عملاً سياسيًا، من دون تسييس سيرورة صناعته نفسها،” وهو موقف صانعي الِفلم الذي لا يفوتون فرصة لتذكيرنا به طوال دقائق العمل الواحدة والسبعين. من الضروري ربما أن نشير هنا إلى أنه وعلى مدار عقود من الزمان، خضع البحث الفني لأصناف من الابتلاع من قبل الدولة أو رأس المال (والأمثلة ُكُثر، من أعمال أميركية تتناول أناشيد العمل وحتى حملات رِدبُل للتوثيق لفنون الشارع في المنطقة). وفي جميع الأحوال، فإن البحث الفني لا ينأى بنفسه، على ما يبدو، عن سيرورات خلق القيمة المُضافة التي تخضع لها سائر أصناف الإنتاج الفني، وإن كان يفرض مساراً مغايرا لها، فيفترض نوعًا جديدًا من القيمة للفن، نوعًا يخرج عن إطار فيتيشية العمل الفني (في ماديته،) ويؤتي مفعوله في أطر، شأن منظومات التعليم التي تخضع بدورها لتنامي استهلاكي على سبيل المثال، بل ويزج بنفسه في مسارات تداول القطع الفنية التقليدية، شأن البينالي أو رواقات العرض الفنّي مثلاً، فيقتحمه فارضًا الاعتراف بقيمة مضافة اجتماعية/ فكرية.

مشهد: عامل يتلبّس شخصية صاحب المصنع، وقد خلى مصنعه من العمال. يجول صاحب المصنع بين أرجاء مصنعه المتخيّل ويلقي بالتحية على عمال قد رحلوا، ويحدّث نفسه وكأنما قد أصابه الخبل على ما فقده.

لنا هنا أن نتساءل عمّ وراء الِفلم: هل ثمة مجال لتواجد الِفلم”برّة” في بينالي أو في متحف، بعبارة أخرى، هل يجوز “إعادة تمثيل” الفِلم؟ حينما دعي الِفلم للمشاركة في بينالي البندقية للعام ۲۰۱٥، قام الفنّانان بتجهيز غرفتين، يفصل بينهما ممر ودرج. انتزعا بلاطات السطح الأصلية التي دعكتها أقدام اللا­مؤدين، بما عليها من خطوط خطّتها أيديهم، وأعادا رصّها هناك، في قلب أوروبا. على الحائط، قاما بوضع صورة قاما بطيّها كما تطوى الخرائط، في إشارة إلى ما في هذا العمل من جهد “تمثيلي.” والأبرز، هو أنهما قاما بعرض “نسخة” مغايرة من الِفلم، تم مزج شريط الصوت فيها كي يحاكي توزيع الميكروفونات التي اسخدمت في تسجيل صوت العمال، ومن ثم قاموا بتوزيع السماعات في حجرة العرض بحيث يشعر المشاهد أنه يقف “مع” العمال. أما في غاليري صفير-زِملر الأشهر في هامبورغ، فقد أضافا نسخة كاملة منقّحة من تسجيلات كاميرا الهاتف الجوال المذكورة، تصل إلى سبع ساعات كاملة، عرضت إلى جوار كتيّب يضم تدوينًا لكل ما يسرده صاحب شريط الصوت، وقد ترجم إلى الإنكليزية في جهد مهيب. وهكذا، لا يسعنا إلا أن نرى في نيّة الفنانين مسارًا إبداعيًا، وبحثيًا، تمخّض عن عدد من التمظهرات، “أحدها” هو الِفلم.

إن وقوف هذا العمل على عتبة تفصل بين عدد من أجناس الإنتاج المعرفي ليتيح له لعب دور الترجمان، فيأتي بخطاب هذا ويعيد صوغه بمفردات هؤلاء، وهكذا دواليك، حتى يصير للِفلم سيرة بيوغرافية باعتباره قطعة فنية، تنتقل وتعيش حيوات، فتنمو ذاكرتها المادية وتزداد، من ثم، قيمتها، وهو مساق غير معتاد في حقل السينما التقليدية، ولكننا ابتعدنا كثيرا عن ذلك العالم.

في اللاتينية، يعني الجذر facere أن يصنع، وهكذا تغدو الحقيقة fact، مصنوعًا ومنتوجًا، تتفتق عنه سيرورة إنتاجية. عبثا سعيت للوقوف على دلالات قديمة للجذر “حقق،” تضفي بعضًا من النور على التباس الحقيقة، اللهم إلا إن قبلنا بالقول بأنها من حكك، أي نقش ودوّن، وهو ما ذهب إليه البعض استنادًا إلى “حق” العبرية أي نقش القانون على الحجر. وكأنما لا تستوي الحقيقة إلا بتدوينها، وهو ما يستلزم إرادة فاعلة. إننا بصدد فِلم يرفض أن يظل فِلمًا، ومقاومة ترفض أن تظل “برّة” في الشارع، وفنًا يرفض أن تحتكره البيناليات. إنه فعل ترجمة من الطراز الأول، ولطالما تجاوزت جهود الترجمة الكبرى محدودية سياقها التاريخي.

Advertisements